عبد الملك الجويني

30

نهاية المطلب في دراية المذهب

التفصيل في الوجهين جميعاً ، أما تفصيل إلحاق زمان الإفاقة بالجنون ، فقد قدّمناه ، وأما إلحاق الجنون بالغشية ، فبعيدٌ جدّاً إذا طال الزمان وتمادى بحيث تُخاف بوادره في زمان الإفاقة . وإن كان زمان الإفاقة نقياً من بوادر [ الجنون ] ( 1 ) وتوقعها ، فلست أرى الجنون غَشْيةً مع هذا إلا أن يكون على حدٍّ يمكن تقريبه من طريق التشبيه من اغتلام الرجل الصفراوي في هيج النفس وثوران الغضب ، فإن لم يكن كذلك وكان جنوناً محققاً ، فلا وجه لهذا الوجه . هذا بيان ما يكاد يعضل . وأَقْصَد هذه الوجوه تلفيق أيام الإفاقة ، واعتبار آخر الحول . فإن قيل : لو كان مجنوناً في جميع السنة إلا في اليوم الأخير ، فيبعد إيجاب الجزية . قلنا : هذا مجازفة في التصوير ، فإن من يجن سنة ثم حسب مفيقاً في يوم ، ثم طبق عليه الجنون في سنة مستقبلة ، فليس في وضع الجبلّة تحقُّقُ الإفاقة في مثل هذا اليوم ، وإنما يتصوّر هذا إذا اطردت الإفاقة في السنة المستقبلة ، فيحتمل الجنون فيما تقدم . 11456 - فإن قيل : هذا التردد الذي ذكرتموه في الجزية هل تطردونه في سائر الأحكام التي يؤثر الجنون والإفاقة فيها ؟ قلنا : لا يجري في سائر الأحكام اعتبار آخر الحول ولا التلفيق ، وإنما تغليب الجنون ، أو تغليب الإفاقة ، أو تخصيص الجنون في زمانه بحكمه ، وتخصيص الإفاقة في زمانها بحكمها . فإن قيل : إذا كان يجن يوماً ، ويُفيق يوماً ، فوقع في الأسر مثل هذا الشخص ، فهل تقولون : إنه يُرقّ ؟ قلنا : إن غلبنا الجنون ، رُق ، وإن غلبنا الإفاقة ، لم يرق ، ويتجه أن يعتبر يومُ السبي ، وأما قبله وقد تحقق أنه [ كان ] ( 2 ) يجن ويُفيق ، فإن غلبنا الجنون ، لم يقتل ، وإن غلبنا الإفاقة على التفصيل المقدم ، فالظاهر الحقن ، وقد

--> ( 1 ) في الأصل : الحيوان . مع تأكيدها بوضع علامة الإهمال تحت ( الحاء ) . ( 2 ) زيادة من ( ه‍ 4 ) .